الذكرى الحادية والخمسون للمسيرة الخضراء المظفرة: من ملحمة التحرير إلى مسيرة التنمية الشاملة

تخلّد المملكة المغربية، يوم 6 نونبر 2026، الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، تلك الملحمة الوطنية الخالدة التي أبدعها جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، وشكّلت محطة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، وتجسيداً حياً لقوة التلاحم بين العرش والشعب، وإرادة الأمة في الدفاع عن وحدتها الترابية.

ففي السادس من نونبر سنة 1975، لبّى 350 ألف متطوع ومتطوعة نداء الوطن، وانطلقوا في مسيرة سلمية وتاريخية نحو الأقاليم الجنوبية للمملكة، حاملين المصاحف والأعلام الوطنية، في مشهد حضاري استثنائي جسّد عمق الروابط التاريخية والوجدانية التي تجمع أبناء الشعب المغربي، ورسّخ روح التعبئة الوطنية والإجماع حول قضية الوحدة الترابية.

ومنذ ذلك التاريخ، لم تكن المسيرة الخضراء مجرد حدث تاريخي عابر، بل تحولت إلى مسيرة متواصلة للبناء والتشييد والتنمية، حيث عملت المملكة على تعزيز البنيات التحتية وتطوير التجهيزات الأساسية، وإحداث المرافق الصحية والتعليمية، وإنجاز الطرق والموانئ، بما أسهم في تحسين ظروف عيش المواطنين وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالأقاليم الجنوبية.

ومع اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، عرش أسلافه المنعمين سنة 1999، دخلت قضية الوحدة الترابية مرحلة جديدة، اتسمت بتعزيز التنمية الشاملة وترسيخ مقاربة تنموية مندمجة، إلى جانب مواصلة الجهود الدبلوماسية للدفاع عن مغربية الصحراء.

وفي هذا السياق، تقدّم المغرب سنة 2007 بمبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية، باعتبارها حلاً سياسياً واقعياً وذا مصداقية لتسوية النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية.

كما شكّل إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية سنة 2015 بمدينة العيون، تحت الرئاسة الفعلية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، منعطفاً مهماً في مسار التنمية، من خلال برمجة مشاريع استراتيجية كبرى تروم تعزيز البنيات التحتية، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتحقيق التنمية المستدامة.

وتتجسد هذه الدينامية في مشاريع مهيكلة، من بينها الطريق السريع تزنيت–الداخلة، وميناء الداخلة الأطلسي، ومشاريع تحلية مياه البحر، فضلاً عن تطوير المناطق الصناعية والطاقات المتجددة، بما يعزز مكانة الأقاليم الجنوبية كقطب اقتصادي واستثماري واعد، وبوابة استراتيجية للمملكة نحو العمق الإفريقي.

كما تعززت الرؤية الملكية للمغرب كجسر للتواصل والتكامل بين إفريقيا وباقي العالم، من خلال المبادرة الملكية الأطلسية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، وإرساء فضاء للتعاون الاقتصادي والتنموي المشترك.

وعلى المستوى الدبلوماسي، واصلت المملكة تحقيق مكتسبات مهمة في ملف وحدتها الترابية، من خلال تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وتزايد الاعترافات والمواقف المؤيدة لمغربية الصحراء، فضلاً عن افتتاح عدد من القنصليات بالأقاليم الجنوبية، في تعبير عن الدينامية التي تعرفها القضية الوطنية.

إن تخليد الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة يشكل مناسبة متجددة لاستحضار أمجاد هذه الملحمة الوطنية، واستلهام قيمها النبيلة القائمة على التضحية والتضامن والتلاحم الوطني، وتجديد الاعتزاز بالهوية المغربية والوحدة الترابية للمملكة.

كما تمثل هذه الذكرى فرصة للتأكيد على مواصلة مسيرة البناء والتنمية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، من أجل مغرب موحد ومتضامن، يواصل تحقيق تطلعات أبنائه نحو مزيد من التقدم والازدهار.

وستظل المسيرة الخضراء المظفرة رمزاً خالداً للوحدة الوطنية، وعنواناً لإرادة شعب لا تنكسر، ومسيرة متجددة نحو مغرب التنمية والكرامة والازدهار.

error: !! المحتوى محمي